جروان
23-08-2008, 10:23 PM
انظروا إلى أباطيل (القعدي : فهمي هويدي) رغم بحبوحة عيشه في فنادق الـ ( فايف ستار )!
ـــــــــــــــــــــــ
قال الكاتب / فهمي هويدي .. .. .. في مقالته المعنونة تحت اسم : ( الساكتون على الظلم ) .. .. والمنشورة في جريدة " الرؤية " الكويتية .. .. بتاريخ السبت 21 / 8 / 1429 هـ ـ 23 / 8 / 2008 م .
( نحن نلوم الطغاة لأنهم يظلمون الناس ، لكننا لا نلوم الناس الذين يسكتون عن الظلم ، في حين أن ذلك السكوت هو الذي يغري الظلمة بالتمادي في ظلمهم ، وحين نبه آرثر ميللر الكاتب المسرحي الأميركي الراحل إلى هذه المسألة ، وانتقد في مسرحيته " حدث في فيتشي " تخاذل اليهود واستسلامهم للموت الذي كان يسوقهم إليه النازيون فإن ذلك أثار المنظمات الصهيونية ضده حتى اتهمته ـ وهو اليهودي ـ بتبرير سلوك النازيين ، ورغم أن ملاحظته كانت دقيقة وصائبة ، إلا أن تلك المنظمات كانت ومازالت حريصة على أن تصور اليهود في دور الضحية دائما ، لتبتز العالم بقصة " إبادتهم " .
مع ذلك فالسائد في الأدبيات التي تناولت موضوع الظلم إنها تصب جام غضبها على التنديد بالظلمة ، وذلك أمر سهل وفي مقدور كل أحد لكن التصدي بالنقد لظاهرة الاستسلام للظلم والانصياع له ، يتطلب شجاعة أكبر لأنه في أحوال كثيرة يكون بمنزلة نقد للذات لا يقدر عليه كثيرون ، ومما هو جدير بالملاحظة في هذا الصدد أن القرآن اهتم كثيرا بذلك الجانب المسكوت عنه ، حتى توعد المستسلمين للظلم بالخذلان والعذاب إذا ما قبلوا بالضيم واستسلموا له .
" إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا " .
وثمة نصوص أخرى عديدة في هذا المعنى ، منها ما انتقد أهل مصر الذين استخف بهم الفرعون فأطاعوه ولم يقاوموه ، ومنها ما امتدح المؤمنين الذين إذا أصابهم البغي فإنهم ينتصرون فينتفضون والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب ، وقد أوردها الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ، حين أفرد فصلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، معتبرا أن مقاومة الظلم هي جوهر ذلك التكليف الشرعي .
منذ وقت مبكر اعتبر فقهاء المســـــلمين أن الإمامة عقد يقوم على تحقيق العدل " إن الله يأمر بالعدل " .
وبالتالي فإن الظلم لا يشكل عدوانا على ذلك العقد فحسب ، ولكنه يجعله ينفسخ لأنه قوض الأساس الذي يقوم عليه ، ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى القول إن الإسلام تبنى في هذا الجانب موقفا تحريضيا فريدا في بابه ، أضفى بمقتضاه شرعية على مقاومة ظلم الأنظمة " التي يفترض أن لها شرعية قانونية " .
ولبعض كبار الباحثين في مصر كتابات منيرة سلطت الضوء على هذه الفكرة ، في المقدمة منهم الراحلان د. محمد ضياء الدين الريس ود . محمد طه بدوي ، وقد حرص فقهاء الأصول على وضع ضوابط لمراتب مقاومة الظلم ، بحيث لا تنتهي إلى الفوضى أو تغليب المفاسد على المصالح ، إلا أن الأمر لم يخل من مذاهب استسهلت " الخروج " على الحكام الظلمة ، حتى حولته إلى مغامرة أساءت إلى الفكرة ، كما حدث في ممارسات بعض اتباع المذهب الزبيدي .
وفي مقابل الاتجاهات التي ذهبت بعيدا في الدعوة إلى الخروج ، فقد ظهرت في التاريخ الإسلامي دعوات حثت على الرضا بالظلم ، لتجنب الفوضى التي قد تؤدي إلى انهيار النظام الإسلامي ، وقد عرض الدكتور طه بدوي لهذه الاتجاهات كلها في الكتاب الذي أصدره في منتصف القرن الماضي حول " حق مقاومة الحكومات الجائرة في الإسلام " .
في مجتمعاتنا المعاصرة ظهرت ثلاثة عوامل أثرت بالسلب على فكرة مقاومة الظلم .
أولها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اختزل في ممارسات متعلقة بالسلوك والطقوس ، الأمر الذي افرغ التكليف الشرعي الجليل من مضمونه الحقيقي .. .. ..
العامل الثاني أن مجتمعاتنا أصابها الوهن ، بعدما جرى تفكيكها بما أفقدها القدرة على الفعل ، وكان للأنظمة الاستبدادية دورها الأساسي في ذلك ، لأنها اعتبرت أن استمرارها وتمكينها مرهون بكفاءتها في تصفية خلايا العافية في المجتمعات التي تحكمها .
العامل الثالث أن الدولة الحديثة توافرت لها قدرات جبارة مكنتها من الاستقواء في مواجهة المجتمع وقهره عن طريق أساليب القمع التي جعلت مقاومة الظلمة أمرا مكلفا ، يفوق قدرة الكثيرين على الاحتمال .
في هذه الأجواء تصور البعض أن الاستبداد اصبح قدر العالم الثالث ، فمن قائل أن خيارنا اصبح بين أنظمة مستبدة لينة " ديكتابزندا " وأخرى غليظة وصارمة " ديكتادورا " ، وقائل بتفضيل المستبد العادل ، أو المستبد العاقل ، إلى غير ذلك من التخريجات التي تسوغ الاستسلام لما هو قائم وتزين القبول به ، لكنها جميعها لم تستطع أن تستر قبح الاستبداد بكل صوره ، الأمر الذي أعاد طرح السؤال الكبير حول كيفية حشد المجتمع لقواه الفاعلة التي تمكنه من مقاومة الظلم شريطة أن تكون مستعدة لدفع ثمن هذه المقاومة .
وأضع خطا أحمر تحت حشد المجتمع لقواه ، لان تفكك تلك القوى وشرذمتها هو العنصر الرئيسي في استقواء الاستبداد واستمراره ) .
ـــــــــــــــــــــــ
قال الكاتب / فهمي هويدي .. .. .. في مقالته المعنونة تحت اسم : ( الساكتون على الظلم ) .. .. والمنشورة في جريدة " الرؤية " الكويتية .. .. بتاريخ السبت 21 / 8 / 1429 هـ ـ 23 / 8 / 2008 م .
( نحن نلوم الطغاة لأنهم يظلمون الناس ، لكننا لا نلوم الناس الذين يسكتون عن الظلم ، في حين أن ذلك السكوت هو الذي يغري الظلمة بالتمادي في ظلمهم ، وحين نبه آرثر ميللر الكاتب المسرحي الأميركي الراحل إلى هذه المسألة ، وانتقد في مسرحيته " حدث في فيتشي " تخاذل اليهود واستسلامهم للموت الذي كان يسوقهم إليه النازيون فإن ذلك أثار المنظمات الصهيونية ضده حتى اتهمته ـ وهو اليهودي ـ بتبرير سلوك النازيين ، ورغم أن ملاحظته كانت دقيقة وصائبة ، إلا أن تلك المنظمات كانت ومازالت حريصة على أن تصور اليهود في دور الضحية دائما ، لتبتز العالم بقصة " إبادتهم " .
مع ذلك فالسائد في الأدبيات التي تناولت موضوع الظلم إنها تصب جام غضبها على التنديد بالظلمة ، وذلك أمر سهل وفي مقدور كل أحد لكن التصدي بالنقد لظاهرة الاستسلام للظلم والانصياع له ، يتطلب شجاعة أكبر لأنه في أحوال كثيرة يكون بمنزلة نقد للذات لا يقدر عليه كثيرون ، ومما هو جدير بالملاحظة في هذا الصدد أن القرآن اهتم كثيرا بذلك الجانب المسكوت عنه ، حتى توعد المستسلمين للظلم بالخذلان والعذاب إذا ما قبلوا بالضيم واستسلموا له .
" إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا " .
وثمة نصوص أخرى عديدة في هذا المعنى ، منها ما انتقد أهل مصر الذين استخف بهم الفرعون فأطاعوه ولم يقاوموه ، ومنها ما امتدح المؤمنين الذين إذا أصابهم البغي فإنهم ينتصرون فينتفضون والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب ، وقد أوردها الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين ، حين أفرد فصلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، معتبرا أن مقاومة الظلم هي جوهر ذلك التكليف الشرعي .
منذ وقت مبكر اعتبر فقهاء المســـــلمين أن الإمامة عقد يقوم على تحقيق العدل " إن الله يأمر بالعدل " .
وبالتالي فإن الظلم لا يشكل عدوانا على ذلك العقد فحسب ، ولكنه يجعله ينفسخ لأنه قوض الأساس الذي يقوم عليه ، ولذلك ذهب بعض الباحثين إلى القول إن الإسلام تبنى في هذا الجانب موقفا تحريضيا فريدا في بابه ، أضفى بمقتضاه شرعية على مقاومة ظلم الأنظمة " التي يفترض أن لها شرعية قانونية " .
ولبعض كبار الباحثين في مصر كتابات منيرة سلطت الضوء على هذه الفكرة ، في المقدمة منهم الراحلان د. محمد ضياء الدين الريس ود . محمد طه بدوي ، وقد حرص فقهاء الأصول على وضع ضوابط لمراتب مقاومة الظلم ، بحيث لا تنتهي إلى الفوضى أو تغليب المفاسد على المصالح ، إلا أن الأمر لم يخل من مذاهب استسهلت " الخروج " على الحكام الظلمة ، حتى حولته إلى مغامرة أساءت إلى الفكرة ، كما حدث في ممارسات بعض اتباع المذهب الزبيدي .
وفي مقابل الاتجاهات التي ذهبت بعيدا في الدعوة إلى الخروج ، فقد ظهرت في التاريخ الإسلامي دعوات حثت على الرضا بالظلم ، لتجنب الفوضى التي قد تؤدي إلى انهيار النظام الإسلامي ، وقد عرض الدكتور طه بدوي لهذه الاتجاهات كلها في الكتاب الذي أصدره في منتصف القرن الماضي حول " حق مقاومة الحكومات الجائرة في الإسلام " .
في مجتمعاتنا المعاصرة ظهرت ثلاثة عوامل أثرت بالسلب على فكرة مقاومة الظلم .
أولها أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اختزل في ممارسات متعلقة بالسلوك والطقوس ، الأمر الذي افرغ التكليف الشرعي الجليل من مضمونه الحقيقي .. .. ..
العامل الثاني أن مجتمعاتنا أصابها الوهن ، بعدما جرى تفكيكها بما أفقدها القدرة على الفعل ، وكان للأنظمة الاستبدادية دورها الأساسي في ذلك ، لأنها اعتبرت أن استمرارها وتمكينها مرهون بكفاءتها في تصفية خلايا العافية في المجتمعات التي تحكمها .
العامل الثالث أن الدولة الحديثة توافرت لها قدرات جبارة مكنتها من الاستقواء في مواجهة المجتمع وقهره عن طريق أساليب القمع التي جعلت مقاومة الظلمة أمرا مكلفا ، يفوق قدرة الكثيرين على الاحتمال .
في هذه الأجواء تصور البعض أن الاستبداد اصبح قدر العالم الثالث ، فمن قائل أن خيارنا اصبح بين أنظمة مستبدة لينة " ديكتابزندا " وأخرى غليظة وصارمة " ديكتادورا " ، وقائل بتفضيل المستبد العادل ، أو المستبد العاقل ، إلى غير ذلك من التخريجات التي تسوغ الاستسلام لما هو قائم وتزين القبول به ، لكنها جميعها لم تستطع أن تستر قبح الاستبداد بكل صوره ، الأمر الذي أعاد طرح السؤال الكبير حول كيفية حشد المجتمع لقواه الفاعلة التي تمكنه من مقاومة الظلم شريطة أن تكون مستعدة لدفع ثمن هذه المقاومة .
وأضع خطا أحمر تحت حشد المجتمع لقواه ، لان تفكك تلك القوى وشرذمتها هو العنصر الرئيسي في استقواء الاستبداد واستمراره ) .